خليل الصفدي
405
أعيان العصر وأعوان النصر
وقفا في مدارس العقل ، والنّق * ل ، ونوّحا معي على الأطلال سائلاها عسى يجيب صداها * أين ولّى مجيب أهل السّؤال أين ذاك الذّهن الّذي قد ورثنا * عنه ما في الحشا من الاشتعال أين تلك الأقلام يوم انتصار * كعوالي الرّماح يوم النّزال ينقل النّاس عن طريق هداها * طرق العلم عن متون العوالي وتفيد الجنا من اللّفظ حلوا * حين كانت نوعا من العسّال وكنت قد اختلفت أنا والمولى شرف الدين حسين بن ريان في وقت بصفد ، في قول الحريري في بعض مقاماته : فلم يزل يبتزّه دهره * ما فيه من بطش ، وعود صليب فذهب هو في إعراب قوله : ما فيه إلى أن هذا في موضع نصب على أنه مفعول ثان ، وذهبت أنا إلى أنه بدل اشتمال من الهاء في قوله : يبتزه ، فكتب شرف الدين فتوى من صفد ، وجهزها إلى الشيخ كمال الدين - رحمه اللّه تعالى - ، ونقلتها من خطه ، وهي : ما تقول السادة علماء الدهر وفضلاء هذا العصر ، لا برحوا لطالبي هذا العلم الشريف قبلة ، وموطن السؤال ومحله ، في رجلين تجادلا في مسألة نحوية ، وهي في بيت من المقامات الحريرية ، وهو : فلم يزل يبتزّه دهره * ما فيه من بطش ، وعود صليب وذهبا إلى أن معنى يبتزه يسلبه ، وكل منهما وافق في هذا مذهب خصمه مذهبه ، وأصل سؤالهما الغريب إعراب قوله : « ما فيه من بطش ، وعود صليب » ، لم يختلفا في نصبه ، بل خلفهما فيما انتصبت به ، فذهب أحدهما إلى أنه بدل اشتمال من الهاء المنصوبة في يبتزه ، وله على ذلك استدلال ، وذهب الآخر إلى أنه مفعول ثان ليبتزه ، وجعل المفعول الهاء ، واختلفا في ذلك ، وقاصديكم جاءا ، وقد سألا الإجابة عن هذه المسألة . فكتب الشيخ كمال الدين - رحمه اللّه تعالى - الجواب ، ونقلته من خطه ، وهو : اللّه يهدي للحق كل من المختلفين المذكورين ، قد نهج نهج الصواب ، وأتى بحكمة وفصل خطاب ، ولكل من القولين مساغ في النظر الصحيح ، ولكن النظر إنما هو الترجيح ، وجعل ذلك مفعولا ، أقوى توجيها في الإعراب ، وأدق بحثا عند ذوي الأدب ، أما من جهة المعنى فإن المقام مقام تشك ، وأخذ بالقلوب ، وتمكين هذا المعنى أقوى ، إذا ذكر ما سلب منه مع بيان المسلوب ، فذكر المسلوب مقصود كذكر ما سلب ، وفي ذلك من تمكين المعنى ما لا يخفى على ذوي الألباب ، ووراء هذا بسط لا تحتمله هذه العجالة ، واللّه أعلم . كتبه